أ ث ر
تعريف-1: أَثار بوزن (فَعال) من مادّة (أ ث ر) ذاتِ الدّلالات الكثيرة في اللّهجات وفي المعجمات القاموسيّة، وصيغةُ دلالتِها المباشرةِ مجهولة، وهي لا تكتسبُ معناها المفترض وغير المباشر ـ في اللّهجات اليمنيّة ومثلها المصريّة ـ إلّا من خلال السّياق الكلاميّ الّذي تأتي فيه، وهي تأتي عادةً بين جملتين فتنقضُ أولاهما وتجعل مدلولها الّذي كان ثابتاً في ذهن قائلها مدلولاً غير صحيح، يقول شخصٌ لآخرَ ـ باعتذارٍ ـ: كنتُ أظنُّك مُبطلاً أثار وأنت محقّ، أو يقول بلومٍ عكسَ ذلك، وبصياغة أخرى للجملةِ بدون استخدام كلمةِ أَثار، ستكون هكذا: كنت أظنُّك مُبطلاً وإذا أنت محقّ، وهكذا حلَّت لفظةُ (وإذا) محلَّ أثار، ولكنّ هذا ليس شرحاً لُغويًّا لكلمة (أثار) بدلالتها الحقيقية أو بالدّلالة الأصليّة للجذر اللُّغويّ الثّلاثيّ (أ ث ر).
وكلمة أَثار دائرةٌ بكثرةٍ على ألسنة النّاس في أحاديثهم اليوميّة عن مختلف الشُّؤون، وعملُها على الدّوام هو: نفي ما كان ثابتا، وإثباتُ ما كان منفيّا، أو بطلانُ ما كان معتقدا، أو ما كان متوقّعاً بظهور ما هو عكسُه.. قالت واحدةٌ منَ العابثات هذا البيت العفويّ ممّا قد يُغنَّى منَ الرّجز:
فَتَحْت لكْ صَدْريْ تِعْفِسْ وِتِرْفِسْ
أَثارْ ياجِنِّيْ وِنَّكْ مُطَنْفِسْ
والعَفْس والرّفْس هو: التّعاملُ بخشونةٍ والتّصرّفُ بعنفٍ أو استهتار. والمطنفس: الّذي لا يتقن العمل.
واللّهجاتُ المصريّة تستعمل هذه الكلمة نفسَها بنطقٍ مختلفٍ قليلاً ـ أتاري، بتاء مثنّاة وياء زائدة ـ ولكنّها هي بذاتها من حيثُ المعنى، كما أنّهم في الغالب يربطونها بالضّمائر، يقول أحدهم لآخرَ مثلاً: حَسَبْتَكْ صديقْ أتاري إنّك أو أتاريك عدوّ, أو ظَنَّيتَكْ طيِّب أتاريْكْ مَكّار، وهو الاستعمال نفسُه بالسّياق نفسِه، وله الدّلالةُ الّتي يؤدّي إليها في كلا اللّهجتين.
وفي اللّهجتين قد لا تأتي أَثار أو أَتارِي بين جملتين منطوقتين، بل تكون الأولى صورةً ذهنيّةً يتصوّرها المتكلّم ولكنّه يشاهد أو يسمع ما يبطلها فيبدأ بكلمة (أَثار) أو أَتاري، فاليمنيّ قد يشاهد إنساناً يعملُ ما لا يسرُّه ممّا لم يكن يظنّ أنّه سيعمله فيقول: أيْوَة.. أثار والمسألة قد وصَلت إلى هذا الحدّ.. والمصريّ قد يقول:
أيوه.. أتاريْها حَصَّلِت لِكِدَه.. إلخ وغير ذلك
منَ الاستعمالاتِ المتعدّدة.
استطراد
عندما تبادرت هذه الكلمة إلى ذهني وجدت أنّها ستكون أوّلَ كلمةٍ أعبّرُ من خلالها عن رأيٍ تبلورَ في ذهني في أثناء عملي في إعداد الطّبعة الأُولى لهذا المشروع اللُّغويّ وأنا مقيمٌ في العاصمة السّورية دمشق، فقد كنت أظنُّ أنّني سأجد في لهجات أهل (الشّام) عدداً لا بأسَ به منَ الكلمات المشتركة والّتي هي أصلاً كلماتٌ يمنيّةٌ خاصّة، لا سبيلَ إلى وجودها في اللّهجاتِ الشّاميّة إلّا بالعلاقات الخاصّة، أو بعبارةٍ أخرى لا سبيلَ إلى وجودها في اليمن أوّلاً، ثمّ وجودِها في الشّام ثانياً إلّا بحكم توافد أهل اليمن على بلاد الشّام منذ القِدَم من خلال العلاقات الدّيموغرافيّة الخاصّة، ولكنّني لم أجد منَ المشترك الخاصِّ بين اليمن والشّام إلّا شيئًا يسيراً لا يتكافأُ مع ما كنتُ أتوقّع، بينما وجدت عدداً أكبرَ منَ المشترك الخاصِّ بين اللّهجات اليمنيّة والمصريّة، الأمر الّذي عدّل الصّورة الذّهنيّة الّتي كانت لديّ، كما أظنّ لدى عددٍ منَ المهتمّين بهذا الجانب الدّراسيّ.
وسيلاحظُ المطّلعُ على هذا الكتاب كاملاً أنّ ما أوردتُه بتردّدٍ ـ منَ المشترك بين اللّهجات اليمنيّة والشّاميّة ـ هو أقلّ ممّا أوردته بثقةٍ منَ المشترك الخاصِّ بين اللّهجات اليمنيّة والمصريّة.
ولا بدّ لهذه الظّاهرة من أسبابٍ وتعليلاتٍ منطقيّة، من خلال دراسةٍ أعمَّ وأشملَ ليس هذا مكانُها، ويكفي هنا لفتُ الأنظار إليها ليأخذَها الدّارسون بالاعتبار، كلٌّ بمقدارِ ما تصل إليه قناعته من خلال عمله المنهجيِّ القائم على دقّة النّظر، وصحّة الرّبط، وسلامة الاستنتاج، وصولاً إلى الأحكام الحقيقيّة.
تعريف-2: أَثِرَ فلانٌ أن يفعل كذا وكذا، أو أَثِرَ إلّا أن يفعل؛ أي: رغب ورأى أنّ الأحسن والأنسب أن يفعل ذلك، إمّا بِرًّا وإحساناً وإمّا كرماً أو عطفاً وشفقةً ونحو ذلك، تقول: أثِرتُ أن أساعد فلاناً، أو إثِرتُ إلّا أن أساعده، وتنطق لَهْجِيًّا بكسر أوّلها والأصل الفتح الخفيف للهمزة بغير مدّ، فهي ليست آثر بدلالاتها المعجميّة، وحتّى لو كانتا صيغتين من جذرٍ واحدٍ دلالاته واحدة، فإنّ في الأمر شيئًا منَ الخصوصيّة اليمنيّة. فأوّلاً: الصّيغةُ (أثِرَ) غيرُ واردةٍ بهذا السّياق في المعجمات، وثانياً: لأنّ صيغة أثِرَ
بفتحٍ خفيفٍ اكتسبت في اللّهجات اليمنيّة أبعاداً دلاليّةً
خاصّة.
المعجم اليمني في اللغة والتراث بواسطة: أرشيف اليمن twitter